اسماعيل بن محمد القونوي

222

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

( والثاني إلى المفعول ) فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح فإنه إذا استعمل بإلى كان بمعنى الأمر صرح به في قوله تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ [ طه : 115 ] الآية والمعنى وامتثلوا أمري بالإيمان والطاعة فلا إشكال بأنه لا معنى لقولك أوف أنت بما عهد عليه غيرك فإنه بناء على أن المراد بالإيفاء مراعاة العهد وهي فعل المعاهد لا غيره وأما إذا كان بمعنى الامتثال لكون العهد بمعنى الأمر فله معنى صحيح وكان المعترض لم ينظر إلى قوله فإنه تعالى عهد إليهم أي أمرهم وغفل عن إشارته إلى أن العهد في هذا النظم بمعنى الأمر إذ تقديره وأوفوا بعهدي إليك وأما الإيفاء في قوله أوف بعهدكم بمعنى المراعاة وعدم التضييع لكون العهد بمعنى الوعد واستعماله ليس بإلى كما في الأول بل بنفسه أو باللام تقوية للعمل وإلى ذلك أشار بقوله ووعد لهم بالثواب الخ فعلم منه أن العهد أعم من الوعد إذ العهد يستعمل بمعنى الأمر والوصية دون الوعد . قوله : ( بنصب الدلائل وإنزال الكتب ) فيه تنبيه على أن المراد بالعهد هنا الموثق والأمر دون ما استعهد منه إذا اشترط عليه كما اختاره القطب حيث قال فيكون المراد بالعهد ما استعهد من آدم في قوله تعالى : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ [ طه : 123 ] الآية فأراد بقوله بنصب الدلائل الخ التنبيه على أن عهده تعالى إليهم بالحجج العقلية والآيات النقلية لا بالأخير فقط إذ الإيمان باللّه وجوده ووحدته مثلا مما يعرف بالأدلة العقلية دون « 1 » الآيات النقلية فإنه يستلزم الدور فلما قال أولا وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [ البقرة : 40 ] بالإيمان والطاعة أشار ثانيا إلى أن عهده تعالى إليهم حاصل بالحجة العقلية والدلائل النقلية ولو قال وإرسال الرسل لكان أتم نفعا وأكمل شمولا إذ الأحكام الشرعية التي تتوقف ثبوتها على الشرع ولا تعرف بالعقل مأخوذة من الكتب الإلهية أو النبي إن لم يكن معه كتاب . قوله : ( وللوفاء بهما ) أشار إلى أن الإيفاء والوفاء من الثلاثي والتوفية من التفعيل بمعنى واحد وهو مراعاة العهد والغدر تضييعه كما أن الإنجاز مراعاة الوعد والإخلاف تضييعه والمعنى وللإيفاء بعهد اللّه وعهدنا مراتب كثيرة متفاوتة بعضها فوق بعض ( وعرض عريض ) كناية عنها والتركيب من قبيل ظل ظليل . قوله : ( فأول مراتب الوفاء ) هذا بالنظر إلى المقصود الأصلي وهو مذهب الأشاعرة وإلا فأول ما يجب علينا النظر في الدلائل الدالة على الوجود والوحدة فأول مراتب الوفاء النظر الصحيح الموصل إلى البغية لكن حقن الدماء لما كان متحققا بالإتيان بكلمتي الشهادة قال فأول مراتب الوفاء على الأولية إضافية في قوله ( هو الإتيان بكلمتي الشهادة ) إشارة إلى ما ذكرناه من أن المراد الإيفاء في قوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [ البقرة : 40 ] الامتثال به كما أشار إلى أن المراد بالعهد الأمر بقوله فإنه عهد إليهم كما ذكرناه فيندفع به إشكال آخر وهو أن المعاهدة وإن كانت بين اثنين إلا أن المعاهد عليه مختلف فإنه من القيد الالتزام من اللّه

--> ( 1 ) وإن وجب أخذه من الأدلة الشرعية من حيث الاعتداد .